المسلسلات المدبلجة ... بديل مؤقت لرأب ميزانيات متقلصة
2012
بصيغة تتماشى مع المثل الشعبي العربي "مصائب قوم عند قوم فوائد" إنعكس تقليص ميزانيات معظم القنوات الفضائية العربية في السنوات الأخيرة التي تلت ذروة الأزمة الاقتصادية العالمية، فوائد جمة على الدراما التركية التي جنت أرباحاً لم تكن في حسبان أكثر منتجيها تفاؤلاً، وتحولت تلك الفضائيات إلى عملاء ممتازين لسماسرة شركات الإنتاج التي كانت تنظر في البداية إلى حصيلة شراء قنوات عربية لحقوق بثها على أنها ارباحاً إضافية، لا سيما وأن هذه القنوات تسعى إلى شراء المسلسلات التركية بعد إنتهاء عملية تسويقها وعرضها في التلفزيونات التركية.
ولكن الأزمة الاقتصادية ليست وحدها المسؤولة عن هذا الاتجاه، ففي الحالة التركية خصوصاً هناك توفيق إستثنائي صاحب مسلسلات بعينها مثل "سنوات الضياع" و"نور"، وغيرهما، الذي جعل من هذه المسلسلات التركية المدبلجة للعربية خير دعاية لهذا النمط الذي بدأ كصرعة بين القنوات، وإنتهى بحل مثالي في ضوء إرتفاع اسعار إنتاج المسلسلات المصرية والسورية والخليجية، فضلاً عن الضعف الشديد في محتوى الدراما العربية بشكل عام، ورفض الكثيرين من المنتجين والمخرجين العرب لفكرة المسلسلات متعددة الأجزاء التي بدأت تفقد رونقها مع عجز كتابها على مفاجأة المشاهد، كما هو الحال في المسلسل السوري "باب الحارة" والمسلسل الخليجي "طاش ما طاش".
غير أن كواليس المطبخ الداخلي للقنوات العربية التي تشتري الدراما التركية لا تنفي أن هناك تأففاً من التورط في عقود مع شركات إنتاج تركية لشراء مسلسلات بشكل دوري على مدار السنوات الأربع الماضية، رغم أن هناك هجمة إعلامية شرسة على هذا النوع من جهة، وإتجاه لإستبدال الدراما المدبلجة التركية بأخرى كورية، سبق وأن حقق بعضها مثل "أوس وتيما" اثناء عرضه على قناة دبي الفضائية، مشاهدة جيدة، فضلاً عن وجود مسلسلات أخرى أبرزها مكسيكية بدأت تجذب المشاهدين مرة أخرى.
وبحسبة بسيطة فإن سوق صناعة الدراما المصرية وحدها التي شهدت مبالغة في أجور الفنانين على نحو وصل بإجمالي الإنفاق المتوقع على هذا القطاع إلى نحو 200 مليون دولار، لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تغطي سوق إعلانات يربط إنتعاشه بالأعمال الدرامية، لصالح برامج التوك شو، والبرامج السياسية، بسبب سخونة الأحداث في المنطقة بعد إندلاع ثورات "الربيع العربي".
ورغم أن المسلسلات التركية ليست هي صاحبة السبق في جذب المشاهد العربي من خلال الدبلجة، والظاهرة إنتشرت في الأساس من خلال المسلسلات المكسيكية، واحياناً الفنزويلية، إلا أن الأمر لم يكن على هذا النحو من الاكتساح الذي يلاحظه المتابع الآن، وهو أمر تحرص معظم الفضائيات على تصويره بأنه نوعاً من الوجاهة والرفاهية بعد أن قامت قناة "إم بي سي" الفضائية العام 2007 بقيادة موجة المسلسلات التركية المدبلجة لكن الواقع الآن أنه أضحى بديلاً يساير تراجع معظم ميزانيات الفضائيات العربية، سواء الكبرى منها أو الصغرى.
كل الأسباب تكالبت تقريباً من أجل رواج دراما المسلسلات المدبلجة عربياً، لا سيما بعد ملابسات "ثورات الربيع العربي"، وما تبعها من تراجع وانحدار السوق الإعلانية على نحو حاد.
وفي حين أن إنتشار المسلسلات التركية بدأ بالأساس قبل ذروة الأزمة الاقتصادية، إلا أن رياح الربيع العربي قد بدلت إستراتيجيات القنوات الفضائية التي راحت تبحث عن البديل الذي يتماشى مع تقلص ميزانيتها والذي تعتمد في جانب مهم منها على الإعلانات، والتي شهدت بدورها تراجعاً كبيرا بالنسبة للفضائيات المعتمدة بشكل رئيسي على الدراما. لذلك كانت الحلول الجاهزة بالنسبة للقنوات الكبرى منها مثل مجموعة قنوات إم بي سي السعودية، وشبكة قنوات الحياة المصرية، وتلفزيون دبي، ممثلاً في الاهتمام بالدراما التلفزيونية المدبلجة، بالإضافة إلى مزيد من الاهتمام ببرامج المسابقات وإستكشاف المواهب لا سيما وأنها حلول أقل كلفة من إنتاج أعمال درامية عربية كبرى.
الامر الآخر الذي يستحق النقاش هو أن المنافسة المحمومة على ذات السلعة واللجوء إلى حلول متقاربة جعل هناك إعراضاً عن الكشف عن أرقام تتعلق بميزانية البرامج في القنوات الفضائية العربية التي تغفل أنها تتعامل مع شرائح شديدة التنوع من الجمهور في سوق تستوعب ممارسات التنافس الذي يفرز تجويداً لصالح هذا الجمهور، وهو أمر مرتبط بأن سماسرة المسلسلات المدبلجة، وشركات الإنتاج تقوم ببيع المنتج الواحد أو المنتجات المتقاربة بأسعار شديدة التباين للقنوات الفضائية، حسب قدرة كل منها على التفاوض، وهامش ربح الوسيط، ومدى إرتباطه بالقناة الوسيطة، لذلك تبقى العقود الحقيقية بين القنوات وتلك الجهات بمثابة أوراق بعيدة حتى عن بعض كبار المسؤولين عن قطاعات التسويق في تلك المجموعات.
الحقيقة أن المعادلة التي سارت عليها القنوات التلفزيونية العربية تشهد الآن إعادة تقييم واسعة لصالح الجدوى الاقتصادية، وبدأ تلفزيون دبي مثلا يؤكد على إنسجامه مع سياسة الربح التي تتحكم فيها علاقة القناة بالمعلن، على اعتبار أن شركات الدعاية تبحث دائماً عن القنوات والبرامج الأكثر مشاهدة، وهي ذات الرؤية التي تعلن عنها دائماَ شبكة قنوات إم بي سي الإعلامية.
وتختلف سياسة التلفزيونات رغم ذلك في سياق تعاطيها الإعلامي مع أزمة تقليص الميزانيات المترتبة على ضعف السوق الإعلانية، ولا تخلو بعض التصريحات من أغراض مداعبة العملاء المفترضين، ففي حين تشهد مجموعة قنوات روتانا أزمة مالية طاحنة دفعتها إلى مراجعة سياساتها وإستراتيجيتها بشكل تام، نجد رئيس مجموعة روتانا للخدمات الإعلانية نزار ناقرو يصرح لصحيفة "عكاظ" السعودية بأن روتانا لا تزال تستحوذ على نحو 22% من حجم سوق الإعلان العربي وهو 200 مليون دولار، لكنه يعود ويعترف بأن هناك إشكالية في الإنتاج الدرامي العربي ترتبط بأن حجم الانتاج أكبر من قدرة السوق على إستيعابه.
هذا بالنسبة الى القنوات الخاصة، أما القنوات الحكومية فلا يزال كثير منها يغرد خارج سرب المنافسة، وعلى رأسها تلك القنوات التي لا تزال بعيدة عن التطوير، مثل التلفزيون الأردني الذي يصرف 90% من ميزانيته على أجور موظفيه، حسب مدير المؤسسة الأردنية للإذاعة والتلفزيون عدنان الزغبي، دون أن تكون هناك ميزانية مقدرة على إنتاج برامج أو دراما نوعية.
وبالعودة الى الاعمال المدبلجة، نجد أن هذه الأعمال جعلت فنانين كبار لا يجدون غضاضة في المشاركة بها بأصواتهم، وهو المشهد الذي كانت سباقة به القنوات الفضائية المغربية، بعدما وصل نسبة المسلسلات المدبلجة في أحد قنواتها إلى ما يقارب الـ40%، وهو الامر الذي دفع فنانة سورية شابة هي روعة السعدي إلى اعتزال التمثيل التقليدي والتخصص في البحث عن الأداء الصوتي باللهجة السورية التي تسيدت اللهجات في المسلسلات المدبلجة.
وبالنهاية، وعلى الرغم من نجاح المسلسلات المدبلجة جماهيريا وماديا، يرى مراقبون أن المردود المادي الجيد الذي تبرهن عليه كثافة الإعلانات التي صاحبت مسلسل "حريم السلطان" عند عرضه على قناة دبي الفضائية، أو مسلسل "إيزل" التركي المدبلج على قناة أبوظبي الفضائية، لا يمكن أن يكون مقياساً لاستمرارية تقبل الجمهور العربي لهذا النمط من الأعمال الدرامية، مشيرين إلى أن الأمر لا يغدو كونه ضمن دائرة التوفيق التي تصيب مسلسلات بعينها وفق ظروف خاصة، وهو ما دفع بعض القنوات إلى الاقتراب من الدائرة التي يبحث عنها المشاهد العربي وهي البرامج السياسية الحوارية والتركيز ايضاً على برامج المسابقات مثل "مجبوب العرب" Arab Idol و Arab’s Got Talent على قناة إم بي سي، و"نجم الخليج" على قناة دبي الفضائية وغيرهما.
فارييتي
اثبت وجودك و اكتب تعليقك على الموضوع
| انشر الموضوع لاصدقائك على الفيس بوك و شارك معاهم |
اشترك فى صفحتنا على الفيس بوك ليصلك كل جديد
